عبد القادر الجيلاني
24
فتوح الغيب
وكان يقرأ القرآن بالقراءات بعد الظّهر ، وكان يفتي على مذهب الإمام الشّافعيّ والإمام أحمد بن حنبل - رضي اللّه عنهما - ، كانت فتواه تعرض على العلماء بالعراق ، فتعجبهم أشدّ الإعجاب « 1 » . رفع إليه سؤال في رجل حلف بالطّلاق الثّلاث ، أنّه لا بدّ أن يعبد اللّه عزّ وجلّ عبادة يتفرّد بها دون جميع النّاس في وقت تلبّسه بها ، فماذا يفعل من العبادات ؟ فأجاب على الفور : « يأتي مكّة ، ويخلى له المطاف ، ويطوف سبعا وحده ، وينحلّ يمينه « 2 » » . فأعجب علماء العراق ، وكانوا قد عجزوا عن الجواب عنها « 3 » . * الاستقامة والتّحقيق : وقد اتّجه التّصوّف في القرن الخامس اتّجاها فيه الاستقلال الّذي قد ينتهي إلى الانفصال عن الشّريعة ، وأصبح - أو كاد يصبح - مؤسّسة أو مدرسة قائمة بنفسها ، لا تتّصل بالشّريعة إلّا اتّصالا شكليّا . وشاعت شطحات الصّوفيّة ، ودعاوى الوصول إلى الحقيقة والنّهاية الّتي تسقط فيها الفرائض والتّكاليف الشّرعيّة ، وظهرت نزعة « وحدة الوجود » ، وبدأت الفوضى في بعض زوايا الصّوفيّة ، فكان الشّيخ عبد القادر من أكبر المعارضين لهذا الاتّجاه الثّائر ، ومن أكبر الدّعاة إلى إخضاع الطّريقة للشّريعة ، والتّمسّك بالكتاب والسّنّة وتحكيمهما في جميع الأحوال والأقوال والأعمال . وقد استطاع بقوّة شخصيّته وبإخلاصه وعلمه القويّ ، أن يمنع هذا الاتّجاه الخطير ، ويرجع بالتّصوّف إلى ما كان عليه في العصر الأوّل . قال الشّعرانيّ : « كانت طريقته التّوحيد وصفا وحكما وحالا ، وتحقيقه الشّرع ظاهرا
--> ( 1 ) الطبقات الكبرى للشعراني ( ص 126 ) . ( 2 ) يعني : سبعة أشواط . ( 3 ) الطبقات الكبرى ( ص 127 ) .